قصة قصيرة . بعد ما شاب

27-02-2019 بقلم : حسين الجندى

ذهب الشيخ المعلم الأزهري الذي على مشارف المعاش - هذا إن عاش -
إلى بيته مهموما مغموما...
 
وأخذ يرغي ويزبد ويسب ويلعن كل من يقابله في الدار...
خاصة أولاده الجامعيين لأنهم تركوه يصل إلى هذه السن وهو يعاني من أمية شديدة في علوم الحاسوب بينما هو عالم جهبذ في علوم الشرع من فقه وتفسير وحديث...
وما جعله يشعر بالنقص في عالم التكنولوجيا في هذا التوقيت المتأخر هو أنه تقدم لشغل إحدى الوظائف الإشرافية وكان لابد أن يجتاز اختبارا في الحاسوب وعلومه وبالطبع رسب بامتيااااز وفشل باقتدااار!
فالمسكين يعاني من أمية شديدة صفرية في هذا المجال...
والذي طالما سخر منه ومن محبيه!
إذن :
ما الحل؟!
أين المخرج؟!
هل يترك المنصب يذهب لمن هو أصغر؟!
ويظل يعاني من ضياع حقه وسيطرة تلاميذه عليه!
أم ينتفض لنفسه انتفاضة العصفور بلله القَطْر...
واختار أن يستجيب للأخيرة...
فشمر عن ساعديه واستدعى أولاده وطلب منهم أن يعلموه ولو من باب (ما لا يدرك كله لا يترك كله)...
وظل لأيام عِدَّة يتعلم ويتعلم...
ولكن كان تعلمه يُجَسِّد المثل الشعبي الشهير:
(بعد ما شاب ودُّوه الكُتَّاب)...
 
وبعد هذا القسط من التعليم الأعرج وجد أن عمله قد قرر إجراء دورة لرفع كفاءتهم في علوم الحاسوب...
 
فاستبشر خيرا فهو الآن على الأقل يستطيع فتح الجهاز وإغلاقه والتعامل بنجاح وسعادة مع الفأرة (الماوس) وقليل من القدرة على التعامل مع برامج النصوص ( word و PowerPoint ... وخلافه)...
 
ومع أول يوم في الدورة شعر بأن ما تعلمه لا قيمة له مع ما يتلقاه...
فأصيب باكتئاب شديد وإحباط مُقْعِد وعجز مُذِل...
 
ومرت أيام الدورة عليه كالكابوس...
وفي آخر يومٍ منها عُقِدَ امتحان لابد من اجتيازه وإلا لن تتم الترقية...
وقف أمام الجهاز المخصص له فوجد كل ما أمامه كأنه طلاسم...
وقبل أن يترك جهازه وينصرف وهو يلعن هذا الامتحان وواضعيه...
وجد صاحبه الذي بجواره يعطيه بعض الإجابات على سبيل الغش!!!
نظر يمينه ويساره فوجد الجميع يتبادلون الإجابات ومن باب (إشمعنا أنا) نسي أنه شيخ جليل وأن الغش حرااااام...
وأخذ يمارس الغش الصَّراح في عز نور الصباح...
والذي ساعده على ذلك هو أن الأسئلة خيار من متعدد...
وفي نهاية الامتحان حصل على درجة 3من 12 يعني (ساقط) وبالثلث والنسخ والرقعة أيضا!!!
فكيف يُجْدي الغش خاصة أنه من أنااااس مثله عَجَزَة أشِلَّاء في الحاسوب وعلومه؟!
 
ورجع إلى بيته غضبانَ أَسِفا...
 
وعندما سأله ابنه الكبير رد بكبرياء وفشخرة( طبعا نجحت يا وااااد وكمان غَشِّشْت اللجنة كلها...
هوه أنا عويل ولا إيه؟!)
 
طبعا لم يصدقه الابن وتركه وانطلق لحاله...
 
وجلس الشيخ وحيدا داخل غرفة نومه وشعر بالبرد يغتال جسده فلَمْلَم كل ما يملك من أغطية ثقيلة ورماها على جسده لعل أوصاله تثبت وتتوقف عن الرجْف والرعْش...
وسرعان ما غطَّ في نوم ثقيل...
 
استيقظ بعد ساعات قلائل ليجد الظلام قد حلَّ...
 
جاءه صديقه وعِشْرَة عمره ليطمئن عليه...
فوجد حالته النفسية تحت الصفر...
فقال له :
يا مولانا لاتحمل هَمًّا...
لم يبق لك إلا أقل من عام على المعاش وموضوع الحاسوب هذا لن يكون له تأثير كبير في حياتك الوظيفية!
 
قالها له وهو يظن أنه يُهَوِّن عليه مصابه...
فإذا بالرجل ينتفض من مقامه وهو يضرب كفا بكف...
(اللي حازز في نفسي قوي إن البهوات بتوعنا جايين يفتكروا موضوع التكنولوجيا دي دلوقتي وكأنها نزلت من السما فجأة...
طب يختبرونا في الفقه ولا الحديث أو التفسير...
ويا سيدي يركزوا على الشباب في الهباب الكمبيوتر ده...
فقدامهم عمر كبير...
وأنا اللي على آخر الزمن أغش يا دي المصيبة!!!
ياريتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا!
ظل الشيخ يردد تلك العبارة الأخيرة مرات ومرات وهو يكاد أن يموت كمدا وقهرا وإحساسا بقلة القيمة!





إقرأ أيضا

تعليقات المقال

لا توجد تعليقات لهذا الخبر

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني