مقالات

تعددت الأسباب، والانتحار واحد

بقلم الكاتب : عبد الرازق احمد الشاعر
قبل أن يعقد المنتحر أنشوطته ويدليها من السقف، ويختبر كرسيه جيدا قبل أن يقف عليه، وقبل أن يضع الحبل حول عنقه ويشده حول حنجرته، ويركل كرسيه بقدميه ليتدلي في فضاء الغرفة، ويتأرجح بعينين جاحظتين وجسد بلا حراك، لابد وأنه قد عاش تلك التجربة مرات ومرات قبل أن يقدم على فعلته. حتما حاول أن يمسك بأي قشة تمكنه من البقاء فوق أمواج هذا العالم المضطرب، ويقينا جرب أن يتمسك بأيد كثيرة قبل أن تفلته، فلا أحد يرغب في مفارقة الحياة طواعية إلا رجل تأرجحت كفتا الأمل واليأس أمام عينيه آلاف المرات حتى ثقلت كفة اليأس. ترى ما الذي يجعل أحدهم يقدم على كسر عنقه كي يمنع تسرب الهواء إلى رئتيه بدلا من ترك هذه المهمة الشاقة لملك الموت؟ ولماذا تزداد معدلات الانتحار في مجتمعاتنا يوما بعد يوم؟
 
تؤكد المؤسسة الأمريكية لمكافحة الانتحار أن الإحباط مسئول عن نصف حالات الموت المبكر إن صحت تلك التسمية. فالمنتحر لا يرى بصيص نور في نهاية أي نفق، ولا يعقد أي أمل على المجتمع والناس. فلطالما تعرض المنتحرون للخذلان من حكوماتهم وأهليهم وأصدقائهم ومعارفهم، ولطالما جربوا مد أياديهم لتعود خاوية إلى جيوبها. لطالما سكبوا ماء وجوههم تحت أقدام الجميع، لكنهم كانوا يعودون بخفي حنين وآلاف الغصات ليمارسوا جلد ذواتهم على ذنب لم يرتكبوه كل مساء، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
 
من المنتحرين من تعرضوا لصدمات تفوق قدراتهم على التحمل، فمنهم من تعرض للاغتصاب أو الاعتداء البدني أو عانى ويلات الحروب. وتشير الإحصائيات أن أكثر من عشرين بالمئة ممن تعرضوا للاغتصاب يقدمون على إزهاق أرواحهم وإن بعد الاعتداء بسنوات، فالإحساس بالعجز لا يموت ولا تسقط بالتقادم.
 
كما أن المدمنين من أكثر الناس رغبة في الانتحار، فالظروف التي تدفعهم إلى الإدمان لا تزول بمجرد سيجارة أو حقنة، ولربما – وهو ما يحدث غالبا – ساهم الإدمان في تفاقم المشكلة، لأنه يضيف إلى المشكلة الموضوعية ضعفا وهشاشة في البناء النفسي للمدمن، مما يجعله عاجزا عن القرار ناهيك عن الفعل. وفي النهاية، مع تراكم الخيبات وقلة الحيلة والعجز عن شراء المخدر، يستسلم الشخص للموت المبكر، ولسان حاله يقول “بيدي لا بيد عمرو”.
 
ويعد الخوف والافتقار إلى الأمان النفسي أحد أهم الأسباب النفسية للانتحار. وللخوف وجوه عدة، لا سيما في مجتمعات تقلصت فيها العلاقات الاجتماعية إلى الحد الأدنى، وتمزقت فيها صلات الرحم إلى أقصى حد. وفي مجتمعات تنفض حكوماتها أيديها من مشاكل سكانها، وتعاملهم على أنهم عبء على ميزانياتها، تتزايد المخاوف من الغد وتتحول الرغبة في تأمين الأسرة وسد حاجاتها إلى هوس وهستيريا. وفي مجتمعات كهذه تزداد معدلات الانتحار بشكل ملحوظ. كما يشكل الخوف من السجن أو المطاردة أو الإهانة أو انتهاء علاقة أو صداقة أو مكانة اجتماعية وغيرها من الوساوس التي لا حصر لها في المجتمعات الفقيرة وقودا لفكرة الانتحار.
 
ومن الأسباب التي تدفع الناس لإيقاف عداد أنفاسهم الأمراض المزمنة كالأزمات التنفسية وآلام العمود الفقري والإصابات الدماغية والسرطان وأمراض القلب، وغيرها من الأمراض التي تقعد بأصحابها أحيانا عن السعي وطلب الرزق، مما يشعرهم بالعجز عن إعالة أسرهم، بل وتحولهم إلى عبء على من حولهم. فهم في حاجة إلى من يحملهم إلى الطبيب ويرعاهم داخل المنزل ويوفر لهم الدواء والغذاء، وبعضهم يحتاج إلى من يساعده على قضاء حاجته. وتتضخم أحاسيس هؤلاء عندما يلمحون نظرات التبرم في وجوه المحيطين، مما يدفع بعضهم لإنهاء مأساة بقائهم بأي ثمن، حتى وإن كان الموت.
 
في رواية بعنوان “ثلاثة عشر سببا” من تأليف “جاي آشر”، يعود “كلاي جونسون” من مدرسته، ليجد طردا في انتظاره فوق شرفة المنزل. يفتح “كلاي” الطرد ليجد بداخله مجموعة من أشرطة الكاسيت، ويتبين من الشريط الأول أن صديقته “هنا بيكر” التي انتحرت منذ أسبوعين هي صاحبة الصوت. وأنها ذكرت في تسجيلاتها ثلاثة عشر سببا لانتحارها المفاجئ، كان الفتى واحدا منها. ما أصعب أن تكتشف أنك سببا في موت أحدهم، وباعترافه شخصيا، إذ لا يمكنك أن تراوغ وتدعي البراءة، فدفاع الراحل لن يجيبك، ولن تؤجل قضيتك إلى أي وقت لحين النطق بالحكم، وسيظل ضميرك يجلدك صباحا ومساء، وتضيق عليك نفسك وأركان غرفتك كلما ذكرت ضحكته أو عتابه.
 
وفي رواية تراجيدية مشابهة، لكنها من تأليف واقع حمصي بائس، ونظام بعثي مستبد، يخرج رب أسرة سورية بائسة لشراء بعض الحاجيات من الخارج، وحين يعود، تفزعه صرخة طفله البالغ من العمر خمسة عشر خريفا. وحين يدخل الأب المكلوم غرفة طفله، يراه معلقا في سقف الغرفة وقد جحظت عيناه وتدلى لسانه. لكن المأساة لم تنته عند حد الفقد، لكنها تجاوزت الجسد المعلق والصرخات المكتومة. ففوق الطاولة، كان هناك جواب إدانة. “أنا آسف يا أبي، بس ما عاد أتحمل، وهالشي بريحني وبريحكم مني وبريح أمي”، كان هذا نص الرسالة التي وجدها الأب ملقاة على الطاولة في انتظار من يقرأها.
 
هل مات طفل الخامسة عشر إحباطا ويأسا؟ أم تراه مات عجزا وقهرا؟ أم تراه الخوف من المطاردة والسجن والسحل؟ أم تراه مات لأن أحدا من الناس لم يمد ليده الصغيرة قشة مساعدة ولظلامه الدامس قبسا من نور؟ لماذا يموت الأطفال في بلادنا ولديهم كافة الأسباب المقنعة لمغادرة الحياة؟ ومن المسئول عن تحول حياة أطفال في عمر الزهور إلى ظلام دامس يكتنفه الموت من كل حدب؟ وإذا كان هناك ثلاثة عشر سببا لانتحار طفل الخامسة عشر، فمن يحصيهم معنا من مؤسسات مجتمعنا المدني، إن كان هناك ثمة مؤسسات؟ ومن يقنع الأطفال أن الموت حرام، وقد حرم الظالمون في بلادنا على زهورنا اليافعة الحياة؟ وهل يستطيع رجال الدين الذين اكتفوا بالحديث عن نكاح المتعة وحكم إرضاع الكبير وتشريع القتل والنسف والحرق باسم الله أن يقنعوا أطفالنا أن البقاء في مجتمعاتنا الظالمة خير من الموت؟ اتهامات كثيرة تركها لنا طفل الخامسة عشر فوق طاولة البؤس والتفكك والتناحر، وأخشى أن أكون واحدا من المتهمين بقطف زهرة حمصية لو أنها عاشت كما يجب لكان لنا شأن آخر.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى